سامر شقير يكتب: هل تصبح مصر مركزًا إقليميًّا للسيارات الكهربائية؟
لا تعد المنافسة في صناعة السيارات الكهربائية تدور حول مَن يبيع المركبات أكثر، بل حول مَن يمتلك سلاسل التوريد والتكنولوجيا والقدرة على جذب الاستثمارات طويلة الأجل، ومن هذا المنطلق، أرى أن دراسة الحكومة المصرية إعفاء مستلزمات إنتاج السيارات الكهربائية من الرسوم الجمركية، بالتوازي مع بحث فرض رسوم على السيارات المستوردة بالكامل، قد تمثل نقطة تحول في خريطة التصنيع والاستثمار بالمنطقة.
تستهدف هذه الخطوة خفض تكلفة التجميع والتصنيع المحلي، ودعم انتشار المركبات النظيفة، خصوصًا أن مصر لا تزال تفتقر إلى إنتاج أو تجميع فعلي للسيارات الكهربائية على نطاق تجاري، بينما تتمتع السيارات المستوردة حاليا بإعفاء جمركي كامل، في حين تخضع مستلزمات الإنتاج لرسوم متفاوتة، مع سداد ضريبة القيمة المضافة على السيارات المستوردة بالكامل.
إعادة توجيه الاستثمار الصناعي
في تقديري، أصبحت السياسة الجمركية أداة لتوجيه الاستثمار، وليس مجرد وسيلة لتحقيق الإيرادات، وتصحيح التفاوت بين استيراد السيارات الجاهزة ومدخلات التصنيع، عبر إعفاء المصانع دون مراكز الخدمة، يمكن أن يشجع توطين مراحل التجميع والإنتاج، ويحد من استنزاف الاحتياطيات الأجنبية في الواردات الجاهزة.
تمتلك مصر سوقًا استهلاكية كبيرة وقاعدة صناعية تقليدية في قطاع السيارات، لكن غياب الإنتاج الفعلي للمركبات الكهربائية يبقيها بعيدة عن سلاسل القيمة العالمية الناشئة، وقد يسهم إعفاء مكونات مثل البطاريات والمحركات، إذا اقترن بإطار تنظيمي واضح، في تقليص فجوة التكلفة وتحفيز الشركات التي تقدمت للانضمام إلى مبادرة دعم انتشار السيارات الكهربائية.
كما أن دراسة فرض رسوم على السيارات المستوردة بالكامل تعكس توجهًا لحماية الصناعة الناشئة دون الإضرار بالطلب، لكن نجاح هذه المعادلة يتطلب تنفيذًا حذرًا وسريعًا، وأرى أن تأخر إدراج التعديلات ضمن حزمة قانون الجمارك المرتقبة في نوفمبر قد يضعف الإشارة الاستثمارية ويؤجل قرارات ضخ رؤوس الأموال.
السوق المصرية وفرص سلاسل التوريد
تعكس الزيادة الكبيرة في أعداد المركبات الكهربائية خلال الأشهر التسعة الأولى من 2026 تحولًا في تفضيلات المستهلكين، مدفوعًا بانخفاض التكلفة النسبية وتنوع الخيارات، وهذا يجعل التصنيع المحلي ضرورة استراتيجية، خاصة أن شركات تستعد للتجميع، من بينها المنصور للسيارات ونيسان وجنرال موتورز، قد تستفيد من خفض تكلفة المدخلات وتعزيز قدرتها على المنافسة.
لكن القيمة المضافة الحقيقية لا تتوقف عند تجميع المركبات؛ بل تمتد إلى البطاريات وأنظمة الإدارة الحرارية والمكونات الكهربائية، لذلك أرى أن المستثمرين المؤسسيين بحاجة إلى دراسة الشراكات في هذه المجالات، مع التركيز على الشركات صاحبة القدرات التقنية أو الشراكات العالمية، بدلًا من الاقتصار على مشروعات التجميع منخفضة القيمة.
رأس المال الخليجي ورؤية 2030
يعيد هذا التطور طرح سؤال تخصيص رأس المال الخليجي، فمصر، بحجم سوقها وموقعها الجغرافي، يمكن أن تصبح منصة تجميع إقليمية إذا نجحت في جذب استثمارات فعلية، بما يفتح فرصًا للتكامل مع المشروعات السعودية المرتبطة برؤية 2030، وفي مقدمتها بناء قدرات صناعة السيارات الكهربائية والاقتصاد الرقمي، بمشاركة صناديق استثمارية مثل صندوق الاستثمارات العامة.
وأرى أن وجود منصة تجميع في مصر إلى جانب قدرات التصنيع المتقدمة التي تستهدفها السعودية قد يعزز التكامل الإقليمي ويقلل الاعتماد على الواردات من خارج المنطقة، لكن رأس المال المؤسسي سيقارن بين تكاليف الإنتاج واستقرار السياسات وعمق سلاسل التوريد، وليس الإعلانات وحدها، وإذا تعثرت التجربة المصرية، فقد تتجه استثمارات أكبر نحو السوق السعودية باعتبارها مركزًا أكثر استقرارًا وجاهزية.
المخاطر والسيناريوهات المقبلة
تتمثل المخاطر في منح إعفاءات جمركية دون جدول زمني أو متطلبات تدريجية للمكون المحلي، بما قد يبقي الصناعة عند مستوى التجميع البسيط دون بناء قدرات تكنولوجية عميقة، كما أن أي تغييرات ضريبية أو جمركية لاحقة قد تؤثر على حسابات العائد الاستثماري.
في المقابل، تبرز فرص في البنية التحتية لمحطات الشحن وخدمات ما بعد البيع، وهي قطاعات لا يشملها الإعفاء المقترح، لكنها قد تستفيد من توسع استخدام السيارات الكهربائية، إلى جانب الطاقة المتجددة والخدمات الرقمية المرتبطة بالنقل، كما أن دراسة مبادرة إحلال السيارات التقليدية بأخرى كهربائية في 2027 قد توسع قاعدة الطلب وتدعم نمو الإنتاج.
إذا أقرت التعديلات في نوفمبر، فقد نشهد تسارعًا في إعلانات التجميع المحلي خلال 2027، مع استمرار هيمنة الاستيراد على المدى القصير بسبب محدودية القدرات الحالية، أما السيناريو الأكثر إيجابية فيرتبط بربط الإعفاءات بزيادة تدريجية للمكون المحلي والاستثمار في البنية التحتية، بينما يؤدي ضعف التنفيذ أو التراجع تحت ضغط الإيرادات إلى استمرار الاعتماد على الواردات.
في النهاية، أرى أن نجاح هذه الخطوة لن يقاس بعدد السيارات التي يجري تجميعها فقط، بل بقدرة مصر على بناء سلسلة قيمة صناعية وتكنولوجية متكاملة، وعلى المستثمرين المؤسسيين مراقبة التنفيذ وتقييم فرص الشراكة في المكونات وسلاسل التوريد، لأن التحول الحقيقي يكمن في توطين القيمة المضافة وتعزيز التكامل بين مصر والسعودية والأسواق الخليجية، ضمن استراتيجية أوسع للاقتصاد الأخضر.
