سامر شقير يكتب: «صنع في الصين» لم تعد مرادفًا للرخص

الإثنين 2 نوفمبر 2026 04:36 مـ 22 جمادى أول 1448 هـ0
سامر شقير
سامر شقير

لم تعد عبارة «صنع في الصين» مرتبطة في أذهان المستهلكين والمستثمرين بالمنتجات منخفضة السعر والجودة المحدودة، بل أصبحت تعكس تحولًا صناعيًّا وتنافسيًّا أعمق يعيد رسم خريطة الأسواق العالمية، وأرى أن ما يحدث اليوم يتجاوز مجرد تحسين جودة المنتجات الصينية، ليعكس صعود نموذج صناعي قادر على الجمع بين التكلفة التنافسية والابتكار والأداء، ومنافسة علامات تجارية عالمية بنت مكانتها على مدى عقود.
من وجهة نظري، يمثل هذا التحول اختبارًا حقيقيًّا للمستثمرين المؤسسيين، الذين يحتاجون إلى إعادة تقييم مواقفهم تجاه الشركات الصينية، وعدم الاستمرار في تسعير مخاطرها استنادًا إلى تصورات قديمة لم تعد تعكس واقع المنافسة العالمية.

من التصنيع منخفض التكلفة إلى المنافسة على الجودة
ألاحظ أن التحول أصبح واضحًا في قطاعات استهلاكية متخصصة، مثل عدسات الكاميرات والأدوات الدقيقة وأقلام الحبر وأحذية الجري، فالشركات الصينية لم تعد تكتفي بتقديم بدائل منخفضة السعر، بل بدأت تستثمر في المواد والتصميم وعمليات التصنيع لتقديم منتجات تنافس علامات يابانية وأوروبية وأمريكية راسخة.
والأهم أن هذه الشركات أصبحت أكثر قدرة على الاستجابة لملاحظات المستخدمين وتطوير منتجات تلبي احتياجات محددة لم تكن الشركات الكبرى تغطيها بالسرعة نفسها.
وأعتقد أن هذه القدرة على التعلم السريع تمثل أحد أهم مصادر القوة التنافسية للصناعة الصينية، خصوصًا في ظل سوق محلية ضخمة ومنافسة شديدة تدفع الشركات إلى تحسين منتجاتها بصورة مستمرة قبل التوسع عالميًّا.

الميزة التنافسية الصينية وإعادة تشكيل الأسواق
يأتي هذا التطور ضمن استراتيجية صناعية أوسع تستهدف الانتقال من الاعتماد على انخفاض تكاليف الإنتاج إلى بناء مزايا تنافسية قائمة على الجودة والتكنولوجيا والابتكار.
ويتفق ذلك مع ما طرحه مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، بشأن أهمية بناء منظومات صناعية مترابطة تستطيع تطوير المعرفة وتحفيز المنافسة ورفع الإنتاجية.
ومن هذا المنطلق، أرى أن الشركات الصينية تستفيد من تكامل سلاسل التوريد وسرعة تطوير المنتجات وقربها من الأسواق والمستهلكين، بما يمنحها قدرة متزايدة على منافسة الشركات التقليدية في شرائح كانت تتمتع فيها هذه الشركات بهوامش ربح مرتفعة.
وهذا قد يفرض ضغوطًا على الشركات اليابانية والأوروبية والأمريكية، خاصة في الفئات المتوسطة من المنتجات المتخصصة، حيث أصبح المستهلك أكثر استعدادًا لتغيير العلامة التجارية إذا وجد أداءً مماثلًا بسعر أقل.

إعادة تقييم تخصيص رأس المال
أعتقد أن التحول في صورة المنتجات الصينية يفرض على المستثمرين إعادة النظر في توزيع رؤوس الأموال بين الشركات الراسخة واللاعبين الجدد.
فالمستثمر الذي يعتمد فقط على السمعة التاريخية للعلامة التجارية قد يفوّت فرصًا استثمارية مهمة، بينما يحتاج المستثمر الذي يتجه إلى الشركات الصينية إلى تقييم قدرتها على الحفاظ على الجودة وتطوير الابتكار وتحقيق هوامش ربح مستدامة.
وهنا تبرز أهمية مفهوم هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتابه The Intelligent Investor، فمن وجهة نظري، لم يعد هامش الأمان مرتبطًا فقط بسعر السهم مقارنة بالقيمة العادلة، بل أصبح يشمل قدرة الشركة على حماية موقعها التنافسي أمام منافسين يستطيعون تحسين الجودة وخفض التكلفة بوتيرة متسارعة.
كما أن المستثمرين يحتاجون إلى متابعة مؤشرات غير تقليدية، مثل تقييمات المستخدمين المتخصصين، ومعدلات تكرار الشراء، وسرعة معالجة شكاوى العملاء، باعتبارها مؤشرات مبكرة على قدرة الشركات على التطور.

القطاعات الأكثر تأثرًا بالتحول الصيني
أرى أن قطاعات البصريات والأدوات الدقيقة والملابس الرياضية التقنية ستكون من بين القطاعات الأكثر تأثرًا بهذا التحول، نظرًا إلى إمكانية تطوير منتجاتها وتحسين كفاءتها التصنيعية دون الحاجة دائمًا إلى استثمارات ضخمة بالمعايير الصناعية العالمية.
وقد تواجه العلامات اليابانية والأوروبية ضغوطًا على حصصها السوقية في الشرائح المتوسطة، بينما ستظل أمامها فرصة للحفاظ على تفوقها في الفئات الأعلى إذا واصلت الاستثمار في الابتكار والتكنولوجيا.
وفي المقابل، فإن الشركات الصينية التي تنجح في بناء علامات تجارية مستقلة ترتبط بالجودة والأداء، وليس فقط بالسعر، ستكون أكثر قدرة على تحقيق نمو طويل الأجل.

الفرص الخليجية والشراكات الصناعية
بالنسبة للاقتصاد السعودي والخليجي، أرى أن تحسن جودة المنتجات الصينية يحمل فرصًا مهمة لتحسين كفاءة الإنفاق وتنويع مصادر الاستيراد، كما يفتح المجال أمام شراكات صناعية في إطار توجهات التنويع الاقتصادي ورؤية السعودية 2030.
لكن هذه الفرص تتطلب التعامل مع الشركات الصينية باعتبارها شريكًا محتملًا في نقل التكنولوجيا والتصنيع المتقدم، وليس مجرد مصدر للمنتجات منخفضة التكلفة.
كما أن صناديق الاستثمار الخليجية يمكنها الاستفادة من دراسة الشركات الصينية التي تمتلك قدرات تصديرية وسلاسل توريد مرنة، مع ضرورة تجنب الاعتماد المفرط على مورد أو سوق واحدة.

المخاطر والسيناريوهات المستقبلية
رغم الفرص، لا أرى أن التحول الصيني يعني تفوقًا شاملًا في جميع القطاعات، فما زالت هناك تحديات تقنية وهيكلية في مجالات مثل أشباه الموصلات المتقدمة والطيران، كما أن التوترات التجارية والقيود التنظيمية قد تؤثر على توسع الشركات الصينية عالميًّا.
وأعتقد أن السيناريو الأكثر ترجيحًا خلال السنوات المقبلة هو استمرار التعايش بين العلامات التجارية التقليدية واللاعبين الصينيين، مع إعادة توزيع تدريجية للحصص السوقية وزيادة الضغوط على الأسعار وهوامش الربح.
وهنا تبرز أهمية ما طرحه دانيال كانيمان في كتابه Thinking, Fast and Slow بشأن التحيزات الإدراكية، إذ يحتاج المستثمر إلى الفصل بين الانطباعات التاريخية والتقييم الموضوعي للقدرات التنافسية الحالية.

الخلاصة
أرى أن تحول «صنع في الصين» من مرادف للرخص إلى مؤشر على المنافسة الصناعية المتقدمة يمثل أحد أبرز التحولات التي تستحق متابعة المستثمرين خلال عام 2026 وما بعده.
رسالتي للمستثمرين المؤسسيين أن تقييم الشركات لم يعد يجب أن يعتمد على بلد المنشأ أو السمعة التاريخية وحدهما، بل على القدرة الفعلية على الجمع بين الجودة والابتكار والتكلفة التنافسية وسرعة الاستجابة للسوق.
فالفرصة الحقيقية ليست بالضرورة في الشركات الصينية وحدها، بل في الشركات القادرة على التكيف مع هذا التحول، سواء من خلال تطوير منتجاتها أو إعادة هيكلة سلاسل توريدها أو بناء شراكات صناعية جديدة.
وفي النهاية، فإن رأس المال الأكثر ذكاءً سيكون ذلك الذي يستطيع قراءة التحولات التنافسية مبكرًا، والتمييز بين العلامات التي تحافظ على تفوقها الحقيقي وتلك التي تعتمد فقط على أمجادها السابقة.